كتب نضال منصور : حتى لا يشعر الناس بالذل والقهر

13

ذهبت الاسبوع الماضي مهنئا اصدقاء لي تخرج ابنهم من الجامعة مهندسا مدنيا، كنت اقول لزوجتي في الطريق لم يعد تخرج الأبناء فرحة لا توصف، بل حمل وعبئ لا يستهان به لأنه سينضم لصفوف العاطلين عن العمل.

لم يكن ابن صديقي المهندس مبالغا حين أخبرني انه أرسل طلبات عمل لمئات الشركات ولم يتلق اجابة واحدة تدل على الاهتمام فقط، وما حدث معه تكرر مع كل زميلاته وزملائه الذين تخرجوا معه، وهو الان يستعد للسفر لدول الخليج عند شقيقه ليجرب حظه ويجد فرصة عمل، وهاجسه الهجرة لأوروبا لعله يجد حياة مختلفة وضمانات للمستقبل.

بعدها بأيام التقينا مجموعة من الصديقات والاصدقاء على العشاء وكنا معا في الجامعة قبل عقود، كان النقاش يتركز على مستقبل البلاد في ظل هذه الظروف الصعبة والتحديات الاقتصادية الخانقة.

بداية الحديث كانت الشكوى من المواصلات والنقل، قيل لي ان تكلفة المواصلات وحدها للتنقل مرة واحدة لطالب في الجامعة يسكن في عمان ويدرس في اربد 150 ديناراً، هذا دون ان يأكل او يشرب، ودهشت حين علمت ان اجرة السرفيس من شارع الجاردنز لمجمع باصات الشمال 45 قرشا.

استذكرنا جميعا بحسرة حين درسنا في جامعة اليرموك في ثمانينيات القرن الماضي ان اجرة السرفيس لم تزد عن 5 قروش، ووجبة الغداء في الجامعة تشمل اللحمة او الدجاج مع الرز وطبق الفاصولياء او الملوخية لا يزيد عن 35 قرشا، وكان سعر الساعة الدراسية 4 دنانير ثم ارتفعت لاحقا لتصبح 6 دنانير، بمعني ان اقساط الجامعة في 4 سنوات لم تزد عن 500 دينارا.

تغيرت الدنيا كثيرا، والان نسمع بأسعار فلكية لساعات الدراسة في الجامعات الرسمية قبل الخاصة، هذا عدا عن اسعار التعليم الموازي، وبعيدا عن كلف النقل واجور السكن والأكل، ولكن ما يستوقفني ويصيبني بالذهول والصدمة؛ هل مع هذا التزايد الخرافي في تكاليف الحياة ارتفعت الاجور والرواتب للناس في الاردن؟!

حين عدت للعمل في الاردن عام 1990 كان راتبي 250 دينارا وكنت اعاني مشقة الحياة، والان وبعد 29 عاما ما زال الحد الادنى للأجور 220 دينارا، والكثير من المكافآت والاجور في مهن مختلفة لا تتجاوز الرواتب في أحسن الاحوال 500 دينار، إذا افترضنا توفر فرص العمل بالأساس.

يواجه الشباب والشابات في الاردن تحد الحياة والتعامل مع متطلباتها، ويجدون الافق مسدودا، فان وجدوا عملا فانهم لا يستطيعون الزواج او بناء اسرة، أو تحمل تكاليف الحضانة والمدارس لأبنائهم، وبالتأكيد فان استحقاقات الطبابة لا تقل كلفة وصعوبة.

يحدثني اصدقاء لهم ابناء ما زالوا على مقاعد الدراسة ان اقساط المدارس الخاصة تصل 5 الاف ديناراً سنويا في المراحل الاولى من عمرهم، وهي ليست من المدارس الافضل، وحتى الحضانات حين تسمع بأقساطها ترتجف وتخاف.

بالتأكيد فان هناك نزوحا في السنوات الاخيرة من المدارس الخاصة للحكومية، وجميعنا يعرف السبب وراء ذلك، ولو كانت نوعية التعليم مضمونة في المدارس الحكومية لما فكر 90% من الاردنيين بإرسال ابنائهم للمدارس الخاصة، ولو وضعت وزارة التربية والتعليم انظمة وتعليمات لوقف تجارة التعليم لما وصلنا لهذا المأزق؟

الازمة لا تتوقف عند التعليم والعمل وانما تمس الصحة ومتطلباتها، فقبل ايام أرسل لي صديق يطلب المساعدة في الحصول على اعفاء طبي حكومي لوالد صديق له.

باختصار المريض المسن تعرض لازمة صحية ولم تجد عائلته سريرا فارغا في العناية المركزة في مستشفى البشير، فأدخلوه في مستشفى خاص، وعلى الرغم من التأمين الطبي الحكومي يغطي 80 % من تكاليف العلاج فان اهله لا يستطيعون تغطية كلفة 20 % لأنها بلغت الاف الدنانير، سعيت لمساعدتهم لكن المريض توفي وانتقل لرحمة الله.

التعليم والنقل والصحة اهم ثلاث أولويات وتحديات تواجه الاردن، وإذا لم نجد حلولا سريعة فان كارثة تنتظرنا، ولن نستطيع السيطرة عليها.

هذه حقوق للناس وليست منة، أو فضلاً وتكرماً من الحكومات، وعلى الدولة أن تهتم بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وان لا تتجاهلها وتغفلها حتى لا ينفجر المواطنين يأسا، وحتى لا يشعروا بالذل والقهر والهوان.


Warning: Division by zero in /home/tajcom/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1417

التعليقات مغلقة.