قبيلة يعيش أفرادها على صيد الأفاعي القاتلة- الصحفية -إريكا تشايس ويدا

تاج : تحقيقات- بي بي سي :

اشتهر أفراد قبيلة إيرولا بمعرفتهم العميقة بالثعابين والأفاعي، وهي معرفة توارثوها جيلا بعد جيل. وتمثل مهارتهم الخاصة باستخراج السموم من الأفاعي رافدا مهما لنظام الرعاية الصحية في الهند، ولو بشكل غير معلن.

منذ بضع سنوات، عندما كنت مسافرا عبر الأراضي الجافة جنوبي الهند التي تغطيها شجيرات ونباتات شائكة، رصد أحد الركاب أفعى الكوبرا على قارعة الطريق بعنقها المنفوخ كالقلنسوة. وقتها كنت راكبا سيارة مكيفة على طريق سريع وممهد. لكن سرعة السيارة وقلة خبرتي بالمناطق الريفية منعاني من رؤيتها.

لكنني هذه المرة كنت أقف على بعد ثلاثة أمتار فقط من أفعى الكوبرا، لا يفصل بيننا سوى جدار قصير من الطوب، ولم أستطع أن أحول نظري عن هذه الأفعى كاملة النضوج التي رفعت رأسها وأصدرت فحيحا استعدادا للهجوم.

إلا أن راجندران، أحد أفراد قبيلة إيرولا، بدا هادئا وهو يوجه الكوبرا، إحدى الأفاعي الأشد سمية في الهند، نحو وعاء فخاري باستخدام قضيب معدني يتدلى من نهايته خطاف مرن، وقال: “نحن نشذب الأشجار في الخارج، وهذه الأصوات والاهتزازات تثير خوف الأفاعي والثعابين”.

زرت قرية فادانيميلي، وهي قرية ساحلية صغيرة على مشارف مدينة تشيناي لمقابلة راجندران. وبينما كنا نتحدث عن عمله مع الأفاعي والثعابين، كانت المياه في خليج البنغال تلمع كخيوط فضية مع آشعة الشمس الحارقة.

ينتمي راجندران إلى قبيلة إيرولا، وهي واحدة من أقدم القبائل في الهند التي تعيش على امتداد الساحل الشمالي الشرقي لولاية تاميل نادو. واشتهر أفراد هذه القبيلة بمعرفتهم العميقة بالثعابين، التي تعود لقرون طويلة.

وتمثل مهاراتهم في استخراج السموم من الأفاعي رافدا مهما، وإن كان غير معلن، لنظام الرعاية الصحية في الهند

ويقول راجندران، وهو يقف إلى جوار لافتة كبيرة تشير إلى موقع الثعابين غير السامة في المنطقة: “يخاف الكثيرون من الثعابين والحيات، رغم أن الثعابين لا تريد إلا البقاء على قيد الحياة. فإذا اضطربت وهرعت خوفا منها، يستشعر الثعبان الخطر وقد يبدأ في الهجوم. أما إذا تسمرت في مكانك، فغالبا ما سيزحف مبتعدا عنك”.

كنا في الأراضي التابعة لجمعية إيرولا التعاونية الصناعية لصائدي الثعابين، التي تأسست في عام 1978 في قرية فادانيميلي لاصطياد الثعابين واستخراج السم منها. إذ تودي لدغات الثعابين والأفاعي بحياة نحو 50 ألف شخص في الهند سنويا، وما من علاج لهذه اللدغات سوى تناول المصل المضاد لسم الثعبان على الفور.

وتنتج ست شركات فقط في الهند نحو 1.5 مليون قارورة مصل مضاد لسموم الثعابين سنويا، واستخدمت السموم التي استخرجها أفراد قبيلة أيرولا من الثعابين في تصنيع معظم هذه الأمصال.

ثم قفز راجندران في ساحة رملية محاطة بجدار منخفض ويعلوها سقف من القش لحمايتها من الشمس، وتتوسطها سبورة صغيرة كتبت عليها معلومات عن الثعابين الموجودة في الموقع. وهذا المكان هو موقع استخراج السموم.

وأخرج راجندران أفعى “راسل” من أحد الأوعية ووضعها على الرمال، وطالما أثارت الدوائر الرائعة على جلد هذه الأفعى، التي تعد من أكثر الأفاعي السامة شراسة في المنطقة، الفزع والخوف في نفوس الناس.

ويقول راجندران: “لا يوجد في الوقت الحالي الكثير من الثعابين”، مشيرا إلى الأوعية الفخارية العديدة الفارغة، التي يمتلئ كل واحد منها عادة حتى المنتصف بالرمال قبل أن يوضع فيه ثعبانان، ثم يغطى بإحكام بقماش قطني مسامي يسمح بنفاذ الهواء ويحول في الوقت نفسه دون خروج الثعابين.

وبموجب ترخيص رسمي، يحق للجمعية احتجاز نحو 800 ثعبان في وقت واحد. ويقول راجندران: “نحتفظ بكل ثعبان لمدة 21 يوما، ونستخرج منه السم أربع مرات خلال هذه الفترة”.

ثم تُطلق الثعابين في البرية بعد وضع علامة صغيرة على بطنها لمنع تكرار اصطيادها، رغم أن العلامة تتلاشى بعد تخلص الثعبان من جلده بضع مرات.

وقد استمد راجندران هذه الثقة في التعامل مع الثعابين وفهمه العميق لها من طفولته التي أمضاها في الأحراش ووسط الأشجار الشائكة في المنطقة. إذ راقب عمليات اصطياد مئات الثعابين والأفاعي قبل أن يبلغ العاشرة من عمره.

ولأن أكثر أفراد قبيلة الإيرولا أميون، فإنهم يقعون ضحايا للعمل القسري في مضارب الأرز.

وقد انتشر صيت مهارتهم الفائقة في اصطياد الثعابين، إلى حد أن لجنة الحفاظ على الحياة البرية والأسماك بولاية فلوريدا وجهت دعوة لاثنين من أفراد القبيلة للمشاركة في مشروع يهدف للحد من انتشار أفاعي الأصلة البورمية في متنزه “إيفرغليدز” الوطني.

إذ تكاثرت هذه الأفاعي الضخمة في المتنزه حتى باتت تمثل خطرا على الثدييات الصغيرة المهددة بالانقراض في المتنزه الوطني.

واستطاع ماسي وفاديفيل على مدار شهرين فقط، بعد 60 مطاردة في المتنزه، أن يصطادا 34 أفعى بمهارة وكفاءة لا تضاهيها مهارة الكلاب المدربة والصيادين الأمريكيين.

يقول جو واسيليوسكي، خبير الحياة البرية بجامعة فلوريدا: “إن الاستعانة بأفراد قبيلة إيرولا كان الحل الأمثل (للقضاء على مشكلة انتشار الأصلة البورمية في المتنزة)”.

إلا أن قبيلة إيرولا وأسلوب حياتها يواجهان مخاطر عديدة، على رأسها التوسع العمراني نحو قرية فادانميلي وزحف المراكز التجارية على المساحات البرية.

إذ يعيش في مدينة تشيناي ما يزيد على سبعة ملايين نسمة، ولهذا يسير التمدد العمراني للمدينة في جميع الاتجاهات، وربما يبتلع القرية تدريجيا.

أضف إلى هذا أن منظمة الصحة العالمية أصدرت توصيات بعدم الحصول على السموم المستخدمة في تحضير الأمصال المضادة للسموم إلا من ثعابين مرباة في الأسر، ولا تُطلق في البرية قط، وهذا قد يؤدي إلى تراجع الطلب على مهارات أفراد قبيلة إيرولا المتخصصين في صيد الثعابين البرية.

Previous Article
Next Article