قصة “محاربات الأمازون” الباسلات اللاتي تصدين لجيش فرنسا

تاج -بي بي سي-قصة اخبارية-كانت كتيبة المحاربات في مملكة داهومي، جمهورية بنين حاليا، من الغلظة والقساوة حتى أطلق عليها المستعمرون الأوروبيون اسم “محاربات الأمازون” نسبة إلى المقاتلات الشرسات في الأساطير اليونانية.

ورغم الثناء الكبير الذي أغدق على الممثلين شادويك بوسمان ومايكل بي غوردن عن دورهما في فيلم “النمر الأسود” الذي أنتجته شركة مارفل عام 2018، فإن النجوم الحقيقين في الفيلم في نظري هم “دورا ميلاجي” أو فيلق القوات الخاصة بمملكة واكندا الخيالية.

فهؤلاء الحارسات الشخصيات رغم جسارتهن لم يتنازلن عن مبادئهن قيد أنملة، وكن بمثابة البوصلة الأخلاقية للفيلم.

واندهشت حين علمت أن شخصيات تلك البطلات المغوارات في الفيلم كانت مستلهمة من قصة حقيقية وقعت أحداثها في مملكة داهومي، ولا تزال حفيدات هؤلاء البطلات يحافظن على تراث جداتهن.

وفي أحد المنازل بمدينة أبومي، عاصمة مملكة داهومي سابقا، والتي غدت اليوم مدينة حيوية جنوبي جمهورية بنين، قالت لي روبينيل، وهي شابة في منتصف العشرينيات: “هي ملكنا، وإلهنا، وسنجود بأنفسنا فداء لها”. إذ كانت روبينيل، أمينة السر، تتحدث عن جدتها التي تجلس على فراش في إحدى الغرف الأمامية من المنزل، وكان رأس السيدة المسنة مزينا بتاج.

 وقد أتيحت لي فرصة لإجراء مقابلة مع بعض أفراد العائلة الملكية بمملكة داهومي سابقا، وهن حفيدات الملكة هانغبي، التي أسست، وفقا للأسطورة التي يتناقلها الناس في البلاد، كتيبة محاربات الأمازون.ورثت السيدة العجوز عن جدتها الملكة اسمها وهيبتها لتبقى تجسيدا حيا لإرثها. ويتولى رعايتها وخدمتها أربع محاربات يجلسن على بساط مغزول على الأرض. وكانت الغرفة التي نجلس فيها فسيحة نسبيا، تتوسطها طاولة ومقاعد للزوار، وفي أحد الأركان يستقر تلفاز قديم بجوار خزانة صغيرة للمشروبات.

وبعد أن نبهتني روبينيل إلى أنني ينبغي، عملا بالتقاليد والمراسم الملكية، أن أنحني أمام الملكة ثم أرتشف رشفة من الماء، حكت لي هي وجدتها عن مآثر جداتهن القدامي.

كانت محاربات الأمازون يقاتلن في الصفوف الأمامية لجيش مملكة داهومي، وهي إمبراطورية قديمة في غرب أفريقيا تأسست عام 1625 واستمرت حتى عام 1894، ولا تزال أطلالها باقية في جمهورية بنين الحديثة، التي تحتل شريطا ضيقا من الساحل بين نيجيريا وتوغو.

واشتهرت محاربات الأمازون بالإقدام والبسالة الفائقة في المعارك التي خضنها سواء خلال غاراتهن على القبائل المجاورة أو نضالهن ضد القوات الأوروبية الغازية.

ففي إحدى المعارك الفاصلة ضد القوات الفرنسية في عام 1892 قبل سقوط المملكة في يد القوات الفرنسية، قيل إن جيش محاربات الأمازون الذي تصدى للفرنسيين كان قوامه 434 محاربة ولم تنج منهن إلا 17 محاربة فقط.

وبحسب الأسطورة، اعتلت هانغبي العرش خلفا لشقيقها التوأم، أكابا، الذي قضى نحبه فجأة في مطلع القرن الثامن عشر. وبعد فترة حكم لم تدم طويلا، عزلها أخوها الأصغر المتعطش للسلطة، أغاجا، واستولى عنوة على الحكم.

وتقول الملكة الحفيدة إن أغاجا طمس جميع الآثار المتبقية من فترة ولاية جدتها الملكة هانغبي، لأنه كان يرى أن العرش لا يعتليه إلا الرجال فقط.

وفي إحدى المتاحف التي يكسوها الغبار داخل جدران القصور الملكية في مدينة أبومي، عُرضت صولجانات برونزية حُفر عليها اسم كل ملك من الملوك، ورُصت بحسب التسلسل الزمني لعهد كل منهم. لكن لا يوجد أثر لصولجان الملكة هانغبي، حتى إن بعض المؤرخين شككوا في وجودها من الأصل.

حفيدات مقاتلات الأمازونمصدر الصورةFLEUR MACDONALD
Image captionحفيدات مقاتلات الأمازون، وهن مجموعة من صفوة المقاتلات في ممكلة داهومي سابقا، يتعهدن الملكة هانغبي بالرعاية

إلا أن المحاربات شديدات البأس لا يزلن يتناقلن إرث الملكة من جيل لآخر. واختلفت الروايات الشفهية والمكتوبة حول أصول الفيالق النسائية الخالصة التي لا تضم رجلا واحدا، فالبعض يصف محاربات الأمازون بأنهن صائدات أفيال ثم أصبحن فيما بعد صائدات البشر. غير أن الرواية الأكثر شيوعا تقول إن هؤلاء المحاربات كن حارسات للملكة هانغبي ومن خلفها من ملوك.

غير أن محاربات الأمازون لم يلتحقن رسميا بصفوف جيش داهومي إلا في عهد الملك غيزو الذي امتدت فترة ولايته من عام 1818 إلى عام 1858. وقد اتخذ الملك هذا القرار لسد العجز في الأيدي العاملة بعد أن كادت تستنفدها تجارة العبيد الأوروبية.

وقد وطد انضمام “محاربات الأمازون” إلى صفوف الجيش الرسمي لداهومي دعائم مبدأ الثنائية الذي رسخته في المجتمع ديانة الفودو، وهي إحدى الديانات الرسمية في بنين في الوقت الحالي. ويتجلى مبدأ الثنائية في الأسطورة المتأصلة في ديانة الفودو عن الإله ماوو والإلهة ليزا، اللذين توحدا معا لخلق الكون، وأطلق عليهما اسم ماوو-ليزا.

وفي مقابل كل موظف في مؤسسات بنين، سياسية كانت أو دينية وعسكرية، توجد موظفة لا تقل عنه كفاءة، وتعاونه في أداء مهامه، إلا أن الملك يتولى زمام الحكم بمفرده.

ورغم ندرة الروايات الموثوق بها عن محاربات الأمازون، فقد سجل العديد من تجار العبيد والمبشرين والمستعمرين الأوروبيين مواجهات لهم مع هؤلاء المحاربات الجسورات.

ففي عام 1861، وصف القس الإيطالي فراشيسكو بورغيرو تدريبات للجيش، وقال إنه شاهد آلاف النساء الحفاة يتسلقن أشجار السنط الشائكة التي يبلغ طول الواحدة منها 120 مترا، ولم تئن أي منهن من الألم.

وفي عام 1889، ذكر المراقب الفرنسي جين بايول أنه شاهد إحدى محاربات الأمازون وهي تقترب من أحد الأسرى في إطار التدريبات، وكتب: “رأيتها تتبختر زهوا وأخذت تلوّح بسيفها في الهواء ثلاث مرات بكلتا يديها، ثم أقبلت على الأسير بهدوء وفصلت رأسه عن جسده تماما، ثم أزالت الدم من على سلاحها وابتلعته”.

كان لمحاربات الأمازون صولات وجولات في ميادين القتالمصدر الصورةALAMY
Image captionكان لمحاربات الأمازون صولات وجولات في ميادين القتال

وقد أطلق الأوروبيون الذين زاروا المملكة في القرن التاسع عشر على هؤلاء المحاربات بمملكة داهومي اسم محاربات الأمازون نسبة إلى المقاتلات الشرسات في الأساطير الإغريقية. لكن المؤرخين يطلقون عليهن اليوم اسم “مينو” الذي قد يعني “أمهاتنا” بلغة الفون المحلية.

غير أن ليونارد وانتشكون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة برينستون ومؤسس المدرسة الأفريقية للاقتصاد بمدينة كوتونو في مسقط رأسه بنين، يرى أن المصطلح المعاصر لا يعكس بدقة الدور الذي اضطلعت به المحاربات في مجتمع داهومي، لأن “مينو تعني ساحرات”، على حد قوله.

ويقتصر اليوم دور الملكة هانغبي وأتباعها من محاربات الأمازون على المراسم والشعائر الرسمية، إذ ترأس المراسم الدينية التي تقام في المعبد المجاور لدارها. وعندما استأذنت لالتقاط صور للملكة هانغبي، هرعت بيريت، إحدى محاربات الأمازون أيضا، لتفتح المظلة الخاصة بسيدتها فوق رأسها في الغرفة المظلمة.

ونُقش على المظلة بالخيوط عبارة “الملكة هانغبي” على الطراز التقليدي لمملكة داهومي. وتصمم بيريت التي تمتنهن الخياطة، مظلة جديدة للملكة سنويا. وكانت هذه المظلات الزاخرة بالرموز تدل على مكانة حاملها في البلاط الملكي بداهومي.

لكن مقارنة بمظلات الملوك السابقين، فإن مظلة الملكة هانغبي تبدو بسيطة، إذ كان أسلافها من الملوك في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يزينون مظلاتهم بعظام أعدائهم المهزومين. وكانت المظلات تتضمن أيضا رسومات طيور وحيوانات، وهراوات ذات رؤوس مستديرة كانت محاربات الأمازون يقاتلن بها في المعارك.

وتظهر هذه الأسلحة الفتاكة أيضا وسط النقوش على الجدران الطينية في القصور الفسيحة منخفضة الارتفاع. وقد جرت العادة في المملكة الداهومية على أن يبني كل ملك جديد قصرا إلى جوار قصر سلفه، ويجعل من القصر السابق ضريحا.

وعلى مدخل قصر الملك بيهانزين، آخر ملوك الامبراطورية الداهومية، في مدينة أبومي، والذي لا يزال جزءا منه سليما، رغم أنه أضرم فيه النار قبل دخول الفرنسيين بلاده، تتدلى لافتة صدئة لليونسكو من أعلى، وقد أدرجت اليونيسكو هذه القصور ضمن قائمة التراث العالمي الخاصة بها.

وتكشف النقوش البارزة في القصور عن استخدام محاربات الأمازون للهراوات وبنادق المسكيت والمناجل في قتل أعدائهن. وفي إحدى الخزانات المغطاة بالغبار، وضعت جمجمة بشرية يخرج منها ذيل حصان، وكانت هذه الجمجمة قد اغتنمتها إحدى محاربات الأمازون وقدمتها للملك ليستخدمها كمنشة غير تقليدية للذباب.

تخلّد القصور الملكية بمدينة أبومي تاريخ مملكة داهومي في بنينمصدر الصورةALAMY
Image captionتخلّد القصور الملكية بمدينة أبومي تاريخ مملكة داهومي في بنين

وطالما استأثرت حكايات محاربات الأمازون باهتمام الناس وشغلت عقولهم، وقد لعب فيلم “النمر الأسود” بلا شك دورا في إثارة هذا الاهتمام بمحاربات الأمازون، ولكن أرثر فيدو، الأستاذ بجامعة أبومي- كالافي الذي أسس دورة تدريبية جديدة عن تاريخ النساء في غرب أفريقيا، يرى أن هذا الشغف بمحاربات الأمازون سببه “أن مكانة المرأة تتغير في أفريقيا، ويتوق الناس إلى معرفة المزيد عن دورها في الماضي”.

ويعزى هذا الاهتمام بمحاربات الأمازون إلى قسوة قلوبهن، رغم أن وانتشكون ينكر المغالاة في وصف بطولاتهن في المعارك، ويقول: “هذا ما كان يفعله الجنود في هذا الوقت لا أكثر ولا أقل”. غير أن أكثر ما يثير إعجاب وانتشكون هو إنجازات هؤلاء المحاربات بعد أن اعتزلن القتال.

ويتذكر وانتشكون أنه كان يوجد في القرية التي ترعرع فيها، غرب أبومي، معسكر تدريبي لمحاربات الأمازون. وظلت جدته لسنوات ترعى محاربة أمازون مسنة انتقلت إلى قريتهم بعد تقاعدها من الخدمة في الجيش.

ولا يزال المزارعون في القرية يشيدون بـ”قوة واستقلالية ومهابة” المحاربة السابقة. وكانت تجهر بمعارضتها للمسؤولين بالقرية، ويقول وانتشكون: “ولا يجرؤ عمدة القرية على إيذائها لأنها كانت من محاربات الأمازون”.

ويرى وانتشكون أن نساء القرية ومنهن أمه استمددن منها الطموح والاستقلالية.

ولهذا يرى وانتشكون أن قصة محاربات الأمازون لا تزال تصلح كنموذج ملهم في الوقت الراهن. ويقول: “يهيمن الرجال على هذه المهنة التي لا غنى عنها للمجتمع، فلم لا تضم كتيبة من صفوة النساء يعملن جنبا إلى جنب مع الرجال؟ من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين”.

إذ يرى وانتشكون أن محاربات الأمازون لم يصبحن بطلات استثنائيات بسبب قوتهن ولا بسالتهن، إنما بفضل إنجازاتهن التي جعلت منهن قدوة لغيرهن من النساء.

وقد لفت هذه الاهتمام الكبير بمحاربات الأمازون أنظار شركة مارفل التي تعكف في الوقت الحالي على إنتاج فيلم جديد خصصته بالكامل لمجموعة حراس “دورا ميلاجي”.

وعندما هممت بالرحيل، وقفت روبينيل لتصافحني، وقد بدوت إلى جانبها قصيرة القامة، وحدقت في عيني بحدة. وفي الطريق، رأيت من نافذة سيارتي تماثيل لمحاربات الأمازون أقيمت مؤخرا على طول الطريق، وقد انتصبت هذه التماثيل شامخة وعريضة المنكبين وبدت قريبة الشبه بروبينيل.

Previous Article
Next Article